السلاسل العلميةسلسلة تعلموا الإسلام

البراءة من الشرك وأهله ١: الدرس السابع

سلسلة تعلَّموا الإسلام | لفضيلة الشيخ محمد بن سعيد الأندلسي - حفظه الله تعالى _الدرس السابع: البراءة من الشرك وأهله ١

بسم الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين أما بعد :

       فلا يزال حديثنا في شرح حقيقة الإسلام، توقفنا عند الركن الثالث من أركان الإسلام وهو البراءة من الشرك وأهله.

       – لا بد أن تعلم أنه لا يصح إسلام المرء حتى يحقق البراءة من الشرك وكذلك البراءة من المشركين، وهذا بدلالة النصوص المفسرة لكلمة التوحيد كما سيأتي بيانه بإذن الله -تبارك وتعالى-، وهذا وقع عليه إجماع عند أهل السنة والجماعة من لدن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وحكى الإجماع عبد الرحمن بن حسن حيث قال: “أجمع العلماء سلفًا وخلفًا من الصحابة والتابعين والأئمة، وجميع أهل السنة أن المرء لا يكون مسلمًا إلاَّ بالتجرد من الشرك الأكبر، والبراءة منه وممن فعله (من المشركين)، وبغضهم ومعاداتهم بحسب الطاقة والقدرة، وإخلاص الأعمال كلها لله” فلا بد أن تعرف الشرك حتى تحذر منه وتتبرأ من أهله.

       – الشرك قد عرفه النبي ﷺ بتعريف جامع كما ورد من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : “أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: “أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك” رواه البخاري. فإذا قيل لك ماهو الشرك بالله تعالى؟ فقل: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك».
  – روي عَنْ أَبِي مجْلَزٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَأَلَهُ رَجُلٌ، عَنِ الشِّرْكِ؟ فَقَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ» رواه ابن أبي حاتم.
وقال السمعاني: “الإِشْرَاك: هُوَ الجمع بَين الشَّيْئَيْنِ فِي معنى، فالإشراك بِاللَّه: هُوَ أَن يجمع مَعَ الله غير الله فِيمَا لَا يجوز إِلَّا لله”.

    والشرك له أنواع منها: الشرك في العبادة، والشرك في الربوبية، والشرك في الأسماء والصفات، وشرك المحبة، وشرك الطاعة وغير ذلك … مما هذا ليس محل بيانه.

     – البراءة من الشرك ما هي ؟ هي: ترك الشرك واجتنابه واعتقاد عدم أحقية الآلهة الباطلة للعبادة (ومعناه: أن تعتقد أن هذه الآلهة التي صرفت لها أنواع العبادات أنها ليس لها الحق في أن تُعبد في الأرض، وأن المعبود الحق هو الله جل وعلا)، فالبراءة من الشرك هي ترك الشرك واجتنابه، وينقضها التلبس بالشرك وفعل الشرك، فكل من فعل الشرك بالله يسمى مشركا، والمشرك: هو المتلبس بعبادة غير الله تعالى، ومتلبس بالشرك أو فاعل للشرك وهنا ثلاثة أشياء يجب البراءة منها:
الآلهة الباطلة أو الطواغيت أو الأرباب ونحوهم … فهؤلاء يجب اجتنابهم، واعتقاد عدم أهليتهم للعبادة، ويجب تكفيرهم إن كان ممن يعقل مثل الطواغيت الحاكمين، كذلك يجب على المكلف أن يبغضهم ويعاديهم.
قلنا هنا: يجب على المكلف أن يحقق البراءة من الآلهة الباطلة، ومن الشرك وذلك باعتقاد بطلانه واجتنابه وتركه، وكذلك أن يحقق البراءة من المشرك ، وهو الذي يصرف هذه العبادة لهذه الآلهة الباطلة، فالمشرك هو الذي يصرف العبادة للآلهة الباطلة فلا بد من البراءة منه وتكفيره وبغضه وعداوته.
  إذا يجب على كل مكلف أن يحقق البراءة من هذه الثلاث: الآلهة الباطلة، والشرك الذي يصرف لهذه الآلهة، وهذا المشرك الذي يصرف هذه العبادة لهذه الآلهة الباطلة، فإذا حقق المكلف البراءة من هذه الثلاث فقد حقق ركن النفي من قوله: «لا إله إلا الله»، الذي لا يصح إلا به، ولا تصح كلمة التوحيد إلا بالنفي والإثبات كما سبق معنا في حقيقة الطاغوت وصفة الكفر به، وهذه هي البراءة من الشرك : اجتنابه وتركه.
والبراءة من المشركين من الفاعلين للشرك سواء كانوا أفرادا أو كانوا أجناسا أو كانوا أقواما فالبراءة منهم هي: مفارقتهم في الدين واعتقاد أن هؤلاء المشركين في دين باطل -أي: أن تعتقد أن هؤلاء فاعلي الشرك والمتلبسين بالشرك في دين باطل وأنت في الدين الحق-، وهذه ينقضها أسلمة المشركين، فإذا جاء أحد وأسلم المشركين، وقال: أن هؤلاء مسلمين وعذرهم بالجهل أو بالتأويل أو بالتقليد، فنقول: أن هذا قد نقض ركن البراءة من المشركين ولم يحقق ركن البراءة من المشركين وهو ملحق بهم، حيث أنه سوى بين الشرك والإسلام لأن من سمى المشركين مسلمين كمن سمى الشرك إسلاما، فلا بد أن تعلم أن ثمّ تلازما بين البراءة من الشرك والبراءة من المشركين، وهذا التلازم يقتضي أنه لا يصح منك ترك الشرك إلا باعتقاد أن أهل الشرك ومن فعل الشرك هو في دين باطل وأنه على غير ملة إبراهيم، ففاعلي الشرك على دين غير دين الإسلام، فمن سمى المشرك مسلما فقد سمى الشرك إسلاما وهذا لا يعرف الكفر من الإسلام ولا الشرك من التوحيد وهو كافر بإجماع كما حكى أبو الحسين الملطي في -كتابه التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع- -وذكر الإجماع-: “وَمعنى ذَلِك أَن معتزلة بَغْدَاد وَالْبَصْرَة وَجَمِيع أهل الْقبْلَة لَا اخْتِلَاف بَينهم أَن من شكّ فِي كَافِر فَهُوَ كَافِر لِأَن الشَّاك فِي الْكفْر لَا إِيمَان

لَهُ لِأَنَّهُ لَا يعرف كفرا من إِيمَان (وهذا هو التعليل على كفر الشاك في تكفير الكافر … فهذا الذي يسمي هذا المشرك عابد القبر أو عابد الوثن أو المنتخب على الطواغيت أو المتحاكم للطواغيت مسلما فهذا لا يعرف الكفر من الإيمان) … قال: فَلَيْسَ بَين الْأمة كلهَا الْمُعْتَزلَة وَمن دونهم خلاف أَن الشَّاك فِي الكَافِر كَافِر”، وهذا المعنى ورد كثيرا في عبارات السلف كما قال أبو سليمان: سألت أبا سَلَمَة بن شبيب عَنْ علم الحلواني، فقَالَ: “يرمى في الحش” ثم قَالَ أَبُو سَلَمَة: “من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر”.
      إذا فالجهل هو مناط مكفر كما قال الملطي: “لِأَنَّهُ لَا يعرف كفرا من إِيمَان” يعني هو جاهل، إذا فالجهل مناط مكفر وليس عذر مبرر كما يقول الجهمية، لأن الجهمية جعلوا الجهل عذر، فيعذرون الجاهل -عابد الأوثان والأصنام- ويسمونه مسلما، فنقول أن هؤلاء لم يعرفوا الكفر من الإيمان.

     – البراءة من الشرك لا تنفك عن البراءة من المشركين، لأن كل من أشرك يسمى مشركا، لأن الحجة في الشرك هي الميثاق والفطرة والعقل يقول ابن تيمية: «فَاسْمُ الْمُشْرِكِ ثَبَتَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ (أي: قبل بعثة النبي ﷺ فالله سماهم مشركين في كتابه {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} … لم يسمع كلام الله وسماه الله مشركا)، فَإِنَّهُ ‌يُشْرِكُ ‌بِرَبِّهِ وَيَعْدِلُ بِهِ وَيَجْعَلُ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى وَيَجْعَلُ لَهُ أَنْدَادًا قَبْلَ الرَّسُولِ»، فتسميه مشركا قبل الرسالة، إذا فالحجة في الشرك هي الميثاق والفطرة والعقل، فالله عز وجل جعل الميثاق والفطرة والعقل حجة على الإشراك به، فيسمى من أشرك بالله مشركا والحجة في ذلك الميثاق كما قال الله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ» يقول ابن أبي زمنين: {وجدناهم على ملةٍ فاتبعناهم}، والآيات في أن المشرك يسمى مشرك قبل الرسالة وإن لم تقم عليه الحجة الرسالية كثيرة جدا ذكرتها في رسالة بعنوان: “مذكرة في العذر بالجهل”، وتتبعت الآيات الواردة في أن الله جل وعلا والنبي صلى الله عليه وسلم كذلك قد سمى المشرك مشركا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، إذا الحجة في ذلك هي الميثاق والفطرة.
  إذا فلا يعذر المشرك بحال لأن حجة الميثاق والفطرة هي حجة ملازمة لا تفارق كل مكلف وهي حجة قائمة عليه في كل حين، لذلك لا يقع في الشرع وجود الشرك دون مشرك فمن أشرك فهو مشرك لأن الحجة قائمة عليه في كل حال سواء كان عالما أو جاهلا، أو كان قبل الرسالة أو بعدها، أو كان ملبسا عليه أو غير ملبسا عليه، أو تأول فلا يعذر المتأول في هذا الباب لأن هذا الباب هو حقيقة التوحيد، ولو عذرنا هؤلاء المشركين لعذرنا اليهود والنصارى والمجوس وكل أهل الملل لأن عندهم تأويل في معنى التوحيد أو في أصل الدين كما يسميه المتأخرين، إذا فكل من تلبس بالشرك يسمى مشركا ولا عذر لأحد بتقليد ولا بتأويل ولا بجهل في باب الشرك بالله تعالى، وليس في دين الله عز وجل مشرك مسلم أو مشرك موحد لأن الشرك والتوحيد لا يجتمعان، إما أن يكون موحدا قد حقق البراءة من الشرك -فإذا أشرك صار مشركا وارتفع عنه التوحيد- فالشرك والتوحيد لايجتمعان كما سبق معنا أن الجاهلية والإسلام لا يجتمعان وربما يجتمعان في عقول أحفاد الجهم بن صفوان.
       والله تبارك وتعالى فرق بين الحنيف وبين المشرك … والحنيف هو: المائل عن الشرك يقول الله تبارك وتعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} فالحنفاء شيء والمشركون شيء آخر.
ورد في تفسير هذه الآية كما قال أبو بكر الصديق: «كان الناس يحجون وهم مشركون فكانوا يسمّون حنفاء الحجاج فنزلت: «حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ»، فالحنيف من كان غير مشرك بالله جل وعلا أما من كان مشركا فلا يسمى حنيفا والحنيف هو المائل عن الشرك، إذا لا يوجد مشرك حنيف، أو مشرك مسلم، أو مشرك موحد هذه غير موجودة لا في الشرع ولا في العقل إلا في دين هؤلاء -أحفاد الجهم-، أما في شرع الله تعالى فإما أن تكون موحدا، أو مشركا، أو مسلما، أو كافرا ولا منزلة بينهما، فكل من تلبس بالشرك في كل أحواله سواء كان عالما أو جاهلا أو معاندا أو معرضا أو متأولا أو لبّس عليه طواغيت العلم أو لبّس عليه الصوفية أو لبّس عليه المداخلة ونحو ذلك … فهذا لا يسمى مسلما، لأن الحجة قائمة عليه في كل حال وفي هذا الزمان لاشك أن الحجة الرسالية قائمة على كل الناس فمن أشرك بالله فهو مشرك، والله تعالى قد أقام الحجة بكتابه على كل الخليقة في هذا الزمان.

الأدلة الواردة في حقيقة التوحيد وفي معنى ”لا إله إلا الله” وردت في البراءة من الشرك ووردت كذلك في البراءة من المشركين كما قال الله تبارك وتعالى في البراءة من الشرك وأنها من حقيقة التوحيد: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ» هذا النفي (البراءة من الآلهة الباطلة ومما يعبدون من دون الله تعالى)، «إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ» هذا ركن الإثبات،  وهذه البراءة التي وردت في آيات الزخرف: « وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ» فسرها المولى جل وعلا في آيات الممتحنة … فآيات الممتحنة إنما هي تفسير لقوله: «إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ».
«وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ….» في آية الزخرف قال في آية الممتحنة: «قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ» ماذا قالوا ؟ «إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ» انظر تفصيل البراءة في آية الممتحنة.
في آية الزخرف قال: «إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ» وفصلها في آية الممتحنة فقال: «إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ» -أي: من العابدين- “وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ” -من الشرك- “كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ” فالقرآن يفسر بعضه بعضا، والآيات في مقام تفسير التوحيد وحقيقة ملة إبراهيم التي أمرنا باتباعها، فقدم المولى جل وعلا هنا البراءة من العابدين على البراءة مما يعبدون، لأن البراءة من العابدين تتضمن البراءة مما يعبدون … فهي براءة من العامل وعمله … ومن العابد وعبادته، إذن فمفاصلة الشرك كله لا تتم إلا بالبراءة من أهله، واعتقاد أنهم على دين باطل، و البراءة من الآلهة الباطلة واعتقاد أن ليس لها الأحقية في أن تعبد، فمن حقق المفاصلة من  الثلاثة التي سبق ذكرها: «البراءة من الشرك والبراءة من أهل الشرك والبراءة من الآلهة الباطلة تحقق بقوله جل وعلا: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

  • ما هي أدلة البراءة من المشركين في كتاب الله ؟
       أدلة البراءة من المشركين في كتاب الله كثيرة جدا، ليست هي في آيات الممتحنة فقط بل هي كثيرة جدا، لو نظرت في الآيات المفسرة للتوحيد والآيات التي ذَكرت حقيقة ملة إبراهيم تجدها تُختم بقوله: «وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، «وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، «وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» فهذه الصيغ كلها وردت في مقام بيان حقيقة ملة إبراهيم التي أمرت هذه الأمة باتباعها «ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا» وقوله: «وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» هي براءة من الشرك وبراءة من أهل الشرك «وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» أنا على دين وأنتم على دين، أنا لست منكم وأنتم لستم مني هذه هي معنى البراءة من المشركين، فآيات البراءة من المشركين في كتاب الله كقوله جل وعلا: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» يقول  الطبري: «وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» يقول: “وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ، لَسْتُ مِنْهُمْ، وَلَا هُمْ مِنِّي (هذه هي البراءة من المشركين)، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ”، ثم سرد كلام أهل التفاسير من السلف.
        فمن قال بأن المشرك مسلم فقد قال : “هو منهم وهم مني” يقول هنا الطبري: «وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ، لَسْتُ مِنْهُمْ، وَلَا هُمْ مِنِّي».
    ويقول الله تبارك وتعالى كذلك: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾،
    قال الطبري: “﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يقول: ولم يك يُشرِك بالله شيئا، فيكون مِن أولياء أهل الشرك به، وهذا إعلام مِن الله تعالى أهل الشرك به مِن قريش أن إبراهيم منهم بريء وأنهم منه برآء”.
       يقول الله تبارك وتعالى كذلك في آية آل عمران: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، وقال أيضا {حنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِه}.
    روي عن مجاهد قال: “بَرَّأَه الله منهم حين ادعى كل أنه منهم، يعني اليهود والنصارى، وألحق به الْمُؤْمِنِينَ…”، ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾،{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} فهذه براءة من إبراهيم من أهل الشرك، كذلك الموحد في هذا الزمان فإبراهيم ﷺ هو قدوته، وإبراهيم عليه السلام قد حقق أعلى مراتب التوحيد: {إن إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، {كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} فلا بد من المفاصلة بين المشركين وبين المسلمين باعتقاد أن هؤلاء على دين باطل، فمن قال أنهم على دينه وأنهم مسلمون فهذا لم يعرف الإسلام ولم يتحقق به.
  •    فكلام مجاهد الذي سقناه قال: «بَرَّأَه الله منهم حين ادعى كل أنه منهم، يعني: اليهود والنصارى، وألحق به الْمُؤْمِنِينَ…» فهذا ينص على أن البراءة هي البراءة من كل أهل الممل، فيجب عليك أن تتبرأ من كل أهل الملل، سبق وذكرنا أن البراءة هي إخراجٌ من الدين -إخراج هؤلاء المشركين من الدين الحق-.
  • فاعتقاد أنهم على دين باطل فهذا الذي يجب عليك اعتقاده فيهم، وهذا الذي تدل عليه الفطر السليمة، فمن كانت عنده فطرة سليمة لا يستطيع أن يتصور أن يكون المرء على الحق وهو يرى الباطل حقا -كيف يكون هو مسلما ثم هو يرى المشركين مسلمين … فهذان لا يجتمعان … الله تبارك وتعالى يقول: {فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ» …كيف يكون المرء مسلما وهو يرى المشركين على دينه؟! هذا قطعا لا يعرف الإسلام من الشرك يعني: كيف لرجل أن يجهل ابتداء حقيقة الإسلام ومعنى الإسلام ويكون معتنقا لهذا الدين !! … كيف هو يجهل حقيقة هذا الدين، ولا يعرف الكفر من الإسلام، والمسلم من المشرك، ولا يفرق بين المشرك والمسلم، يُعد من أهل هذا الدين ويسمى مسلما ؟! فهذا لا يعرف مدلوله لأنه لو عرف مدلوله عرف نقيضه، والاعتقاد فرع عن المعرفة، فمن لم يعرف لم يعتقد فهذا جاهل بحقيقة العقيدة الصحيحة، فإذا كان كذلك فهو ليس من المعتنقين لهذه العقيدة والمعتقدين لهذا الحق … وهذه واضحة عند أصحاب الفطر السليمة، وكذلك بهذا الوضوح تقررت في كتاب الله جل وعلا في مواضع كثيرة في بيان هذه المعاني وأن المسلم هو الذي قد تبرأ من الشرك وتبرأ من أهله، لأن كل من خرج من الجاهلية عرفها وفاصلها وفارقها وتبرأ منها، وخرج منها إلى الإسلام والدين الحق، لا شك أنه يرى قومه على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وأنهم على الدين الباطل، وهذه المعاني أدركها الحنفاء قبل بعثة النبي ﷺ فعرفوا الحنيفية والتوحيد وعرفوا أن قومهم ليسوا على شيء كما ورد في حديث عمْرو بْن
  • عَبَسَةَ السُّلَمِيّ قَالَ: «كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ»، كذلك زيد بن عمرو بن نفيل كما ذكرت أسماء بنت أبي بكر قالت: «رأيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي».
  •      كذلك أَبو الطُّفَيْلِ قال حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَالَ: «كُنْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ جَيٍّ، وَكَانَ أَهْلُ قَرْيَتِي يَعْبُدُونَ الْخَيْلَ الْبُلْقَ، وَكُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ».
  • وهؤلاء الحنفاء نزل فيهم قوله جل وعلا: {وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ} فهم لما وردت الآثار كانوا يتكلمون على قومهم: «كُنْتُ رَجُلا مِنْ أَهْلِ جَيٍّ، وَكَانَ أَهْلُ قَرْيَتِي يَعْبُدُونَ الْخَيْلَ الْبُلْقَ، وَكُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ».
  • وكذلك كلام زيد وكذلك كلام السلمي فكلهم يرون أن قومهم ليسوا على شيء من الدين الحق وهم يعبدون هذه الأوثان.
  • قوله {وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا}: روي عن زيد بن أسلم « نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ فِي ثَلاثَةِ نَفَرٍ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَأَبِي ذَرٍّ الغفاري، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ»
  •       – لذلك نقول بأن معرفة أن هؤلاء من أهل الشرك وأنهم على دين باطل وأنهم لا ينتسبون إلى الحق والدين الحق هي معاني كلها يعرفها الموحد بفطرته السليمة، فالموحد ابتداء الذي وحد الله عز وجل وعرف التوحيد فارق ملة الشرك بالله وجل إلى دين الإسلام، وهذا يقتضي منه اعتقاد بطلان ما كان عليه هو من الباطل والعقائد الفاسدة، كذلك البراءة من قومه واعتقاد أنهم على الدين الباطل … وأنه قد فارق دينهم وانتقل إلى الدين الحق … فارق الشرك إلى التوحيد، وهذه المعاني لابد أن يعرفها كل من دخل في الإسلام، لذلك في هذه الجاهلية النكراء لا بد أن يخرج منها المسلم ويتبرأ منها ومن أهلها حتى يكون مسلما، فهذه الجاهلية هي الجاهلية الثانية …
  • قال تعالى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ} يقول ابن عباس: «تَكُونُ جَاهِلِيَّةٌ أُخْرَى» فسماها الله أولى لأنها تكون جاهلية أخرى والتي نحن فيها الآن، فلذلك من يريد الإسلام الحق فلا بد أن يتبرأ من قومه ويتبرأ من هذه الجاهلية ويفارقها ويخرج منها.
  •        – مشركي قريش كانوا يعلمون هذه الدعوة وحقيقتها وأنها تقتضي: ترك عبادة الآلهة، وأنها كذلك تُكفر الآباء، وتُسفه عقول العابدين، والكل كان يعلم هذا كما روى في السير : “إن أبا بكر لقي رسول الله ﷺ فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا وتكفيرك آباءنا ؟” فهذا عنوان دعوة النبي ﷺ بين قومه -ترك الآلهة وتسفيه العقول، وتكفير الآباء- كما ذكرها أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.
  •         وهذا المعنى جاء واضحا في كتاب الله جل وعلا، فالبراءة من الشرك هي براءة من المشركين كما قال الله: {قُلۡ يَٰأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ (١) لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ (٢)… }، فهذه السورة سماها النَّبي ﷺ سورة البراءة من الشرك، كما ورد عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: فَمَجِيءُ مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لِتُعَلِّمَنِي شَيْئًا أَقَوْلُهُ عِنْدَ مَنَامِي، قَالَ: ” إِذَا أَخَذَتْ مَضْجَعَكَ فَاقْرَ: «قُلۡ يَٰأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ» ثم نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ» … سماها النبي ﷺ بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ وهي فيها: تكفير للكافرين والمشركين: «قُلۡ يَٰأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ ، لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ» وقال في آخرتها: «لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ» قال: «ثم نم على خاتمتها» .. “لكم دينكم ولي دين”، فإنها براءة من الشرك، وهي براءة من الأديان وبراءة من المشركين، وكذلك براءة من الشرك، فالبراءة من الشرك هي براءة من الأديان براءة من أهل الأديان، وهذا واضح جلي فإذا تحقق أن ثَم تلازم بين الشرك وبين المشرك -ولا ينفك المشرك عن الشرك لأن الحجة قائمة عليه في كل حال- تحقق كذلك تلازم بين البراءة من الشرك والبراءة من المشرك، فلا إله إلا الله ركنها هو: البراءة من الشرك والبراءة من المشركين، ومن لم يأت بهذا لا يصح إسلامه وليس من أهل لا إله إلا الله، وهذه البراءة التي سبق معنا هي براءة من الآلهة الباطلة، وبراءة من الشرك بالله جل وعلا، وبراءة من أهل الأديان كلهم، فهي ملة إبراهيم وهو الدين الصحيح وهو الإسلام الذي جاء به الأنبياء والمرسلون.

       • نقف عند هذا سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

سراج الطريق

نحن نزاعٌ من القبائل حققوا البراءة من هذه الجاهلية النكراء … نحن الغرباء الذين تقلدوا لواء الإصلاح … بقايا الحنفاء من يُصلحون إذا فسد الناس … نحن القلة المستضعفة … القلة التي تفر بدينها … القلة السالكة المستوحشة … الحاملون لجراح أمتهم … سراج الظلم في تيه الجاهلية … الأمل في عود الضياء … عِصابة المسلمين وعصارة الموحدين في زمن أقفر ما بين لبنتيها من المسلمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى